محمد ابو زهره
732
خاتم النبيين ( ص )
بما يقول الناس ، واللّه تعالى يعلم أنى منه بريئة لأقولن ما لم يكن ، ولئن أنا أنكرت يقولون لا تصدقوني ، ثم التمست اسم يعقوب أذكره ، ولكن سأقول كما قال أبو يوسف : فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ ، فو اللّه ما برح رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم مجلسه ، حتى تغشاه من اللّه ما كان يتغشاه ، فسجى بثوبه ، ووضع وسادة من أدم تحت رأسه ، فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت ، فو اللّه ما فزعت ، وما باليت ، قد عرفت أنى بريئة ، وأن اللّه تعالى غير ظالمي ، وأما أبواى فو الذي نفس عائشة بيده ما سرى عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما حزنا من أن يأتي من اللّه تحقيق ما قال الناس ، ثم سرى عن رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، فجلس ، وإنه ليتحدر عن وجهه مثل الجمان - في يوم شات - فجعل يمسح العرق من وجهه ، ويقول : أبشرى يا عائشة قد أنزل اللّه عز وجل براءتك . قلت : الحمد للّه . ثم خرج على الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل اللّه تعالى من القرآن الكريم ، ثم أمر بمسطح ابن أثالة وحسان بن ثابت وحمنة بنت جحش ممن أفصح بالفاحشة فضربوا حدهم . 497 - ذكرنا القصة مع طولها ، كما جاءت على لسان المجنى عليها ، وقد اخترنا تلك الرواية لما فيها من جمع لكل معاني الروايات ، لأنها تصور نفس تلك الصبية الكريمة التي لم تكن قد تجاوزت الرابعة عشرة من سنها . امتحن اللّه تعالى تلك الصبية الطاهرة لزوج أعظم رجل في الوجود الإنسانى وابنة صاحبه في الغار ، وهي في سن قريب من الطفولة ، امتحنت أولا - بأن تخلفت عن الركب ، وصارت في أرض قفر وحدها ، فلم تصرخ ولم تولول ، بل فوضت مؤمنة أمرها لربها ، وتجلببت بجلبابها ، ونامت آمنة مطمئنة منتظرة أمر اللّه فيها عالمة أن اللّه لا يضيعها ، ويجيء رجل مكتمل عرف بالتقوى ، بل قيل أنه حصور ليس له في النساء أرب ، فاسترجع عندما رآها ، وعجب أن يرى في الليل ، وفي هذا المكان الموحش ، وهو يسترجع ويقول : ظعينة رسول اللّه صلى اللّه تعالى عليه وسلم ، وينيخ لها البعير ، فتركبه من غير معونة أحد ، وليس معها مكان الرحيل بها وهو هودجها ، إذ أنه حمل على بعيرها ، زعم من رفعوه إليها أنها فيه ، لصغر ثقلها . وإنها من بعد ذلك تستقبل المدينة بصخبها وجلبها ، ونفاق بعضها ، وفضول الأكثرين الذين لا يتركون الظن أو التظنن ، وهو من الإثم ، كما قال اللّه تعالى : إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ( الحجرات - 12 ) . وإذا ظنوا أشاعوا غير ناظرين إلى عاقبة ، ولا إلى أثر القول ، ولا إلى موضوع القول ، ومكانة صاحبته في أهلها وبعلها ، ومكان من يناله السوء من إشاعة ، ويندفع في ترداده غير عالم له بحقيقة ، ولكنها ظن السوء المجرد وشهوة قول الفتنة ، والفضول الذي يسود بعض الناس ، وما أصدق قول اللّه تعالى في وصف